اسماعيل بن محمد القونوي

490

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

الماضي من الثلاثي ومعنى هذه القراءة أيضا شكوى منهم الخ قوله أو بعد بين أسفارنا على النداء أي على تقديريا ربنا وهذه القراءة وقراءة باعد على النداء متحدان وفهم منه أن قراءة باعد بلفظ الخبر وكذا بعد من الثلاثي بلفظ الخبر أيضا برفع ربنا على الابتداء كما في الكشاف حيث قال وقرىء رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا [ سبأ : 19 ] وبعد برفع ربنا والمعنى على خلاف الأول وهو استبعاد مسايرهم على قصرها ودنوها لفرط تنعمهم وترفههم انتهى وهذا معنى قول المصنف على أنه شكوى منهم الخ . قوله : ( وإسناد الفعل إلى بين ) لا إلى الرب برفعه لفظا أو محلا على أنه حركة بنائية كما ذهب إليه الأخفش والأول هو الظاهر من كلام الكشاف حيث قال وإسناد الفعل إلى بين ورفعه به ولم يلتفت إلى جواز اضمار الفاعل على أنه ضمير المصدر أو السير ونصب بين على الظرفية لأنه تكلف . قوله : ( حيث بطروا النعمة ولم يعتدوا بها ) والبطر طغيان من كثرة النعم وكذا الأشر كما مر بيانه في أول الدرس حيث قال ليتطاولوا فيها على الفقراء الخ قوله ولم يعتدوا بها ناظر إلى قراءة الخبر والشكوى منهم لبعد السفر مع دنو المسافة ولم يعتدوا بدنوها وشكوا من بعدها . قوله : ( يتحدث الناس بهم تعجبا وضرب مثل ) يتحدث الناس بهم أي الأحاديث جمع أحدوثة لا جمع حديث والأحدوثة ما يتحدث به على سبيل التلهي والاستغراب فيصح حمل الأحاديث عليهم بالمواطئة بلا تمحل وقيل وجعلهم نفس الأحاديث إما على المبالغة أو تقدير المضاف لأنهم متحدث بهم انتهى وقد عرفت أن الأحاديث جمع أحدوثة وهي ما يتحدث به فح لا مبالغة فيه ولا يحتاج إلى التقدير نعم إن جعل الأحاديث جمع حديث على خلاف القياس يتم ما ذكره القائل ويمكن حمل كلامه عليه . قوله : ( فيقولون تفرقوا أيدي سبأ ) على أنه استعارة تمثيلية فلا حاجة إلى ما قيل أي مثل أيدي سبأ فحذف المضاف وهذا الكلام في الكشاف بعد قوله وَمَزَّقْناهُمْ [ سبأ : 19 ] وهو فيه منصوب على المفعول به لا على الظرف لأنه يريد بعد وباعد مسافة أسفارنا ولا يريد بعد وباعد فعلان متعديان فمفعولهما معهما وكان شيخنا أبو علي يذهب إلى أن أصل بين مصدر بأن يبين بينا ثم استعمل ظرفا اتساعا وتجوزا كمقدم الحاج ثم استعملت واصلة بين الشيئين وإن كانت في الأصل فاصلة وذلك لأن جهتيهما وصلتا مما يجاورهما فصارت واصلة بين الشيئين وعليه قراءة من قرأ : لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ [ الأنعام : 94 ] بالرفع أي فصلكم فمعنى استعمالها واصلة هنا أن المعنى وقع التقطيع في وصلكم واتصالكم فيؤول إلى معنى فصلكم . قوله : فيقولون تفرقوا أيدي سبأ وعن بعضهم المعنى مثل أيدي سبأ فضمير المثل لأن أيدي سبأ وقع حالا عن فاعل تفرقوا وسبأ مهموز في الأصل غير أنه التزم التخفيف في هذا المثل والأيدي عبارة عن التفرقة أي تفرقوا في البلاد من قولهم أخذ يد البحر أي طلب طريقه وقيل أيادي سبأ أولاد سبأ لأن الأولاد أغضاده لتقويه بهم .